إنه أزهرنا الشريف !! مقال ليلة الجمعة بقلم د. محمد نصار

إنه أزهرنا الشريف !!

بقلم د. محمد نصار

كان الجامع الأزهر من غرس الدولة الفاطمية، والتي أرادته بعثا لمذهبها الشيعي فتأبى عليها، وركلها بمآذنه التى تعانق أغصان النخيل، وإن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها كما قال النبي الكريم.

إنها أغصان نخيل الوسطية والاعتدال كمنظومة معرفية شرعية شاملة بضرب من الإجماع، ووحدة من الانتماء وتبادل الولاء المحسوس فى الشأنين الداخلي والخارجي.

علم الأزهر منذ البداية أنه لن تستقيم أحوال المواطنة والتعددية من دون إدخال إصلاحات جدية على الخطاب الديني.

طريقان لا ثالث لهما وكان عليه أن يختار، طريق ينظر للآخر نظرة مفادها ” أنت آخى أنا أحبك”، وإما أن يطلق سيل اتهامات التكفير والتجريح التى تقود إلى حد القتل وإهدار النفس البشرية، فاختار الأول وطلق الثاني بائنا بلا رجعة! .

مضى الأزهر فى طريقه ينشر العلم

لقد مضى الأزهر فى طريقه الذى رسمه لنفسه ينشر العلم ويحي القلوب وقد أينع ثمره ، وتجددت نضرته على كر العصور ، يتمتع بصفته الجامعية ، تعرفه الأجيال المتعاقبة دائما معهدا للقراءة والدرس.

ولا زال بعد الألف عام ويزيد – رغم تعرضه لكثير من عوامل التعرية الفكرية والمنهجية – هاديا ومبشرا برسول المحبة والسلام ..

ينجو من عواقب المحنة ، ويخرج من غمر الإهانات والتجريح سليما قويا ، يتابع حياته الطويلة غير حافل بما يعترضه من الصعاب والعثرات …. لا يزال بصرحه الشامخ وامتداداته الإقليمية يواصل مسيرته الحضارية ..

إنه أزهرنا الشريف !

أقدم جامعة على وجه الأرض التى التصقت بتاريخ مصر والعالم الإسلامي ، بل وعلى فترات من تاريخ أوربا فى العصر الحديث ….

إنه أزهرنا الشريف !

الذى تهوى إليه أفئدة الظامئين والمنهومين إلى العلم والمعرفة من كل فج عميق…ليكون الرمز الحى المتجسد للتراث الفكري الإسلامي العربي ، ولما لا وقد قيل :

إن للمسلمين قبلتين : قبلة دينية ، وأخرى علمية ، أما القبلة الدينية فهى المسجد الحرام في مكة المكرمة ، وأما القبلة العلمية فهي الأزهر الشريف في قاهرة المعز …

صاحب الوظائف والمهام والأدوار الصعبة والمتعددة

إنه أزهرنا الشريف!

صاحب الوظائف والمهام والأدوار الصعبة والمتعددة تعليما ونشرا وتأصيلا وتقويما ….

فقد تصدى للحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م ، ليقف أبنائه فى وجه أول غزو عسكري مسيحي أوربي فى التاريخ الحديث ، ليخفق حلم الحملة فى إقامة حكم فرنسي هادى ومستقر على ضفاف النيل .

كما تصدى وبقوة وعنف للحملة البريطانية على مصر المحروسة عام 1807م لينهى أطماعا بغت، ويكبدها خسائر فادحة وصولا إلى الهزيمة الساحقة فى رشيد وقرية حماد ليأتي من بعد ذلك بالجلاء .

وانضم علماء الأزهر كذلك إلى الثورة العرابية بعدما تبين لهم خيانة الخديوي توفيق وانضمامه إلى الإنجليز.

وكما كان ! كان علمائه فى طليعة المشتركين فى ثورة 1919م مطالبين بإنهاء الحماية واستقلال البلاد ، مجتمعين غير متفرقين ، مسلمين كانوا أم أقباط .

ومع بداية العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين وقد هبت عاصفة رياح التغيير:

الزعامة الوطنية

يتعرض الأزهر لهزة أرضية أرضية ، وحروب فكرية ، فى محاولة لاختطافه وتوظيفه ، عندئذ نراه يشمر سواعده ، ويشحذ من هممه ، مستعيدا دوره التاريخي فى القيادة الشعبية ، والزعامة الوطنية ، على مسافة واحدة من جميع الفرقاء ، يذكر بالمسئوليات الملقاة على عاتقه ، وإدراكه لثقل الأمانة أمام الله والتاريخ ، يصون أساسيات شعبنا وثوابته، ويعتبر الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة من ثوابت المطالب الوطنية بكل ما تستوجبه من مواطنة كاملة، فيعقد الاجتماعات المكثفة ، ويصدر( الوثائق الأربع) واضعا رؤيته الوطنية حول مستقبل مصر كخطوة أولى، وأحقية الشعوب فى اختيار حكامها كخطوة ثانية، ثم تفعيل منظومة الحريات الأساسية خطوة ثالثة، والتذكير بحقوق المرأة واحترامها وصونها من أي انتهاك كخطوة رابعة ، ثم سال نهر العطاء ليبلغ الأزهر بوثائقه من بعد ذلك عشرة كاملة أو يزيد …

نجاح الأزهر الشريف

ونجح الأزهر بجدارة -كعادته دائما – فى لم الشمل تحت رايته ، ورأب الصدع بحكمته ووطنيته، منحازا – غير متردد ولو لوهلة- إلى إرادة الشعوب محذرا من إنهاك البلاد ، وترويع العباد ، مذكرا بأن حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة ، واعيا  كل الوعي بأنه إذا كان علماؤنا الأوائل وسلفنا الصالح يعبرون عن مشقة تحمل العلم بــــ (حمل الرسالة) فإن الفتنة والمحنة اليوم فى كثرة المعروض وقلة الحملة العارفين والملتزمين ، والذين لا تهولهم الصعاب ، وبذا لم تتغير المهام ، بل تغيرت المعطيات الضرورية للقدرة على تحملها …

وها هو الأزهر – في كل موقف عصيب يطرأ على الأمة- يتنفس عبق ماضيه ، ويستطرد أمل حاضره ومستقبله، يبلغ المأمول الذي تستلهمه الجماهير، حاميا لبيضة هذا الدين ، مذكرا بالهداية والرشاد ، داعيا إلى التجديد الطهوري المنفكين عن لوثات التقليد وملوثات الانحراف والتطرف، والنفعية الغزلية، في ظل تحولات وإصلاحات تمر بها المجتمعات الإنسانية، يقول كلمته أو يصدر بيانه – مهما كان – ليضع الجميع أمام مسؤوليتهم الوطنية والدعوية، براءة للذمة أمام الله، واحتفاظا بدوره الطبيعي لذاكرة التاريخ، وارتواء للظمأى الذين لاذوا به وتطلعوا إليه!

إنه أزهرنا الشريف

إنه هو … ومن هو ؟؟  إنه محيى الدين، ونور الدين ، وعلم الدين ، وسيف الدين ، وضياء الدين ، وناصر الدين ، وحامى الدين….، إنه أزهرنا الشريف!

بقلم د. محمد نصار

تطور الفتوى : المرأة رئيسا عند الغزالي أنموذجا

آراء ومقالات أخرى هنا


القليوبية أون لاين ضع أعلانك ليحقق الانتشار

اظهر المزيد
إغلاق