الإمام عبد الحليم محمود شيخ الأزهر .. وحكايته مع الفلسفة

الإمام عبد الحليم محمود .. وحكايته مع الفلسفة، مقال جديد للدكتور الشيخ محمد نصار يكتبه ليلة الجمعة ، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية لشيخ الأزهر عبد الحليم محمود.

لقد كان أول عهده مع الفلسفة بجامعة باريس حينما ذهب إلى فرنسا للدراسة بجامعة السوربون.

بدأت دراسته فى علم الاجتماع، وعلم النفس، ومادة الأخلاق، وتاريخ الأديان . وكانت هذه المواد كلها تسير فى تيار محدد هو أنها (علوم مجتمع) أى أنها لا تتقيد بوحى السماء، ولا تتقيد بالدين على أنه وضع إلهى ، فهى تدرس موضوعاتها على أنها ظواهر اجتماعية ، وظواهر إنسانية.

وكانت هذ المواد يتزعم دراستها وتدريسها الأساتذة اليهود ، أو الذين تتلمذوا عليهم . فأبصر الإمام –رحمه الله – ولأول مرة الأراء المختلفة فى نشأة الدين، ومختلف الآراء فى تفسير النبوة، وليس فى هذه الآراء على اختلافها وتعددها ما يتجه إلى أن الدين وحى من السماء، أو أن النبى موصول الأسباب بالسماء!

يقول الإمام وهو يصف الوضع القائم (وإذا انتظرنا من أى استاذ أن يصحح الوضع مثبتا الألوهية والنبوة هادما للأراء الأخرى نكون بذلك واهمين لأنهم جميعا قد انغمسوا فى تيار المادية) الذى فسرته الجامعة فى رأى على أنه القواعد التى تقوم على التجربة والملاحظة ، فالعلوم عندهم مجرد وسائل تقود الإنسان إلى غاية واحدة هى : الإلحاد !!

لأن الدين فى زعمهم نشأة إنسانية اجتماعية، وإن للخلق فيما يرون نشأة إنسانية اجتماعية، وقد تواضع الناس على سلوك معين سموه ” فضيلة ” وعلى سلوك آحر سموه ” رذيلة ” ، ودراسة الدين والأخلاق مهمتها أن تتجه إلى النشأة والمظاهر وعوامل التطور وظواهر التطور … وليس للسماء ( الوحى ) فى الدراسة من نصيب .

كانت نظرات الإمام تتجه بغرابة واستنكار صوب هؤلاء الأساتذة الذين اصطلحوا اتفاقا على هدم القيم الثابتة والمثل العليا التى يقررها الدين وتقررها الأخلاق، ويلحظ التأثير المريب على الطلاب الذين انتقلوا من مرحلة الثانوية إلى مرحلة الجامعة ليتجرعوا مرارة هذه الآراء، لتكون الظاهرة العامة التى يجدها فى طلبة الجامعات فى أوربا الاستخفاف بالعقائد ، أو على أقل تقدير : الإيمان الكامن الذى لا فاعلية له ولا تأثير فى سلوك الإنسان !

كان الإمام يضيق من غير شك بكل ما يجرى فى هذه الدراسات، حتى ألهمه الله التوفيق، ألهمه التفكير فى قيمة آراء الأساتذة أنفسهم فى هذه المواد ليبدأ الفصل بين اتجاهين أو بين عالمين من المعرفة:

1- عالم الماديات: كالطب والطبيعة والكمياء، وهذه أمور تحكمها التجربة ولا تتعارض هى والدين، ولا اختلاف فيها.
2- وعالم التفكير المجرد فى الدين والأخلاق والمجنمع.

بدأ الإمام عبد الحليم محمود يدرس هذا الجانب الأخير فى أناة وصبر من الزاوية التاريخية، فتوصل إلى أنه مع بدأ التفكير العقلى كان بدأ الاختلاف فيه، وكل مفكر يبنتقض الآخر معاصرا كان أم سابقا له … وهكذا …

وأنه ما من شك فى أن هؤلاء الأساتذة الذين يدرسون للطلبة ومنهم فضيلة الإمام عبد الحليم محمود ينتقد بعضهم بعضا فى آرائهم، ويخطىئ بعضهم بعضا، كما ينتقد السابقين عليهم ويخطئونهم ، وسيصنع من بعدهم صنيعهم فيوجهون النقد ويخطئونهم … وهكذا الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وهو ما دفع فضيلة الإمام إلى أن يتبوأ طريق المواجهة الفكرية لكل ما يقوله الأساتذة، ويقول فى نفسه فى مواجهة كل إستاذ سيهدمك المعاصرون لك ، وسيهدمك الذين يأتون من بعدك !!

كان فضيلة الإمام فى مواجهة كل هذه الآراء الإلحادية يتشبث بيقين لا شك فيه، و يخاطب نفسه قائلا : إذا كانت الأخلاق نسبية فهل يأتى الزمن الذى نعتقد فيه أن الصدق رذيلة ؟ أو أن الشهامة شر؟ ! ثم يعود إلى نفسه مخاطبها: كلا ّ!
ثم يتسائل من جديد فى مجال العقائد : هل سيأتى اليوم الذى لا نقول فيه بوحدانية الله ، أو لا نقول بإرادته وعلمه ؟ فيعود ليجيب: كلاّ.
فأدرك أن القوم جميعهم يسيرون فى طرق لا تنتهى إلى غاية .
تأكد فضيلة الإمام أن هؤلاء يستخدمون منهج (الشك) أو ( التشكيك ) فى القيم والمثل والعقائد والأخلاق ، بل وفى مجالات مختلفة لإفساد المجتمعات وتحللها أخلاقيا ودينيا .وهو منهج يهودى من الدرجة الأولى يهدفون من ورائه إلى السيطرة على العالم كتى تكون الكلمة العليا لهم وليست لله عزوجل ، ولا لرسل الله صلوات الله عليهم .
هذا الواقع المملوء بالفتن والمشوب بكل ظواهر الإلحاد هو ما دفع الإمام أن ينتبه للمؤمرات التى تحاك، والشباك التى تستهوى أصحاب العقول المنحرفة عن وحى السماء، فيقول ( ولم يكن من السهل على فى أثناء هذه الدراسة الاستمساك الواثق بالقيم والمثل التى نشأت عليها ، ولولا عون من الله سبحانه وتوفيق منه ، ولولا لطف الله لصرت كواحد من هؤلاء الألوف الذين يدرسون فى الجامعات الأوربية ، ثم يخرجون منها وقد تحطمت فى نفوسهم القيم والمثل الدينية )

حقا، لقد صاحبته عناية السماء ، وضمته إلى القوم الذين هم أهل الله وخاصته ، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، رماه الله فى أنوار التصوف اتباعا وولعا وتشوقا ، فأجاد وأفاد .

بدأت دراسته فى مرحلة الدكتوراه بموضوع الصوفى الكبير (الحارث المحاسبى) الذى وجد فيه الهدوء النفسى، أو الطمأنينة الروحية وهدوء اليقين.

إنه الحارث المحاسبى !!

الذى ألقى بنفسه فى معترك المشاكل التى يثيرها المبتدعون والمنحرفون، وأخذ يصارع مناقشا ومجادلا وهاديا ومرشدا متخذا الأساس الأصيل والمصدر الأول: القرآ ن والسنة ، متخذا ذلك مقياسا وحاكما متحكما فى كل ما يقال أو يفعل .

إنه الحارث المحاسبى القديم، الذى أطل علينا بمنهجه وتفرده فى عصرنا الحديث فى شخص فضيلة الإمام عبد الحليم محمود، الذى صار فى نفس الطريق متبعا لوحى السماء، منشرا لأشراقات النور، باعثا لهدى السماء على أهل الأرض .. رضى الله عنه وأرضاه.

الإمام عبد الحليم محمود .. وحكايته مع الفلسفة

مقال بقلم :  د. محمد نصار

فيديو لحديث الإمام عبد الحليم محمود عن صفات الاولياء

أقرأ أيضا :

إنه أزهرنا الشريف !! مقال ليلة الجمعة بقلم د. محمد نصار

اظهر المزيد
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: