الشيخ الغزالي ومنهجية العصف الذهني.. بقلم د. محمد نصار

الشيخ الغزالي ومنهجية العصف الذهني

كانت الأسئلة المتفرقة تنهمر من كل حدب وصوب قاصدة شيخينا الغزالي المعاصر. جاء أحدهم يسأله: هل قرأت أدب النفس لأرسطو؟ فقال: قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله. وجاء آخر يسأله: هل الإنسان مخير أم مسير ؟ فرد عليه قائلا: الإنسان نوعان : نوع يعيش في الشرق، ونوع يعيش في الغرب، فالأول مسير والثاني مخير! ففغر الرجل فاه عن ابتسامة هي بالضبط نصف تثاؤب الكسالى والعجزة والثرثارين الذين ينتشرون في بلادنا. ويأتيه ثالث ويسأله عن حكم تارك الصلاة ؟ فيقول له: حكمه أن تأخذه معك إلى المسجد ، كونوا دعاة لا قضاة ! هذه أسئلة وغيرها كثير يضفى الشيخ عليها جوابا يشبه ما يسمى بــــــــ “العصف الذهني” ، ليسترعى فكرة إعادة النظر والانتباه، وإعادة التقييم ، فتنقح الأفكار ، ويتم تطوير أفكار الآخرين وزيادة فاعليتها. ذلك أن الرجل يدرك إدراكا وثيقا أن الهرم أضحى مقلوبا، وأنه بحاجة ماسة إلى إعادة بناء، وتعميره لبنة لبنة، بغية وصوله إلى الكمال، كمال المظهر والمضمون، فخاض معاركه التى صاحبته حتى وفاته، يصحح المغلوط، ويقوم المعوج، يخيم علي وجه الحزن الدائم، قليل الضحك، فيلام في ذلك فيقول : وكيف أضحك وحال أمتنا يرثى لها، ثم يؤلف كتابه “هموم داعية”، لأنه يري أننا بحاجة إلى يقظة عامة تتناول أوضاعنا كلها ، حتى نحسن الدفاع عن وجودنا ورسالتنا فى عالم لا تسمع فيه إلا عواء الأقوياء . وهو الذي ثار في غضب الإصلاح مرددا: “الإسلام قضية عادلة في أيدي محامين فشلة”! . وفى طريق مسيرته مع الله يُسأل: كيف ترى رجال الدعوة وأئمة المساجد؟ فيقول: يوجد الآن ما يزيد على ألفين من المشتغلين بالدعوة والإرشاد، والشكوى عامة من قلة بضاعتهم فى الحق وكثرتها فى اللغو، وأحدهم يشبه القصاص القدامى في ترويج الأساطير وتخدير العامة وتشويه معالم الإسلام. لقد كان أكثر ما يقلق غزالينا المعاصر هذا الطفح العلمي الذي طغى وتكبر، وأضحى كل أحد يتكلم في كل شيء بعلم أو بدون. ما جعله يقول: وددت لو أعنت على محاكاة أبى حامد الغزالي مؤلف “إلجام العوام عن علم الكلام” فألفت كتابا بعنوان: “إلجام الرعاع والأغمار عن دقائق الفقه ومشكل الآثار” لأمنع الصغار عن مناوشة الكبار ، وأشغلهم بما يصلحون له من أعمال تناسب مستوياتهم، وتنفع أممهم بهم. وهذا يعد انتصارا كبيرا للعقلانية التي تحتم علينا جميعا أن تكون الأداة الأولى فى الفهم والتحقيق والاستنباط ودرك المقاصد والأهداف، بل لم يخجل حين عاودوه الملام بأنه يرفع راية العقل في فهم النص وإن تعارضا، فيرد قائلا: سبحان الله ! وهل كان الإسلام إلا عقلا تقيا وقلبا نقيا . إن سوء الفهم للإسلام، وتقديم ما حقه التأخير، وتأخير ما حقه التقديم، وشيوع خرافات باسم الدين، وجهل المسلمين بسياسة الدنيا، ووقوع الخلل الكبير فى الثقافة الإسلامية، كل هذا وغيره كان قضية غزالينا التي قضت مضاجعه وكرس لها حياته، ساعيا إلى وضع ثقافة صحيحة موثقة عن الإسلام تمد الأمة بالغذاء الفكري والروحي ، والتي تصنع عقولها وأذواقها وإرادتها . ولأجل ذلك لم يهدأ قلم الغزالي حتى وافته المنية، فصوبه في كل اتجاه يريد الانتقاص من الإسلام أو النيل منه، به يدافع ، وبه يهاجم، به يثور ، وبه يصلح، حتى هابه الجميع وأذعنوا له، وأيقنوا أنهم أمام مجدد زمانه، وأوحد أوانه، كما لم يكف لسانه الذي تتفتق منه الحكمة عذوبة ورشاقة وأناقة، كلماته قطع أدبية، ورشاقة فكرية، وأناقة لغوية تجد فيها أثر الثقافة المتنوعة، والتمكن الأزهري، وأصالة الدراسة اللغوية والأدبية. ونحن إذ نلقى الضوء في هذه المقالة على منهجية غزالينا المعاصر ( العصف الذهني ) واضحة المعالم والأثر، فإننا نؤكد أن علماء الأئمة بحاجة ماسة إلى إعادة قراءة مؤلفات الشيخ قراءة منهجية، والتقاط هذه الأدوات التي كَتبَت لشيخنا البقاء حيا بكتابه وقلمه وإن انتقل إلى جوار ربه، لأنه حيث لا يوجد الإدراك الواضح، والفهم الناضج يصبح الأمر غير ذى موضوع ! فتربية العقول ، وإذكاء المواهب وتفتيق الملكات الإنسانية ليست أمرا هينا … فوجب على جميع الدعاة أن يستعينوا بذلك إلى حاضر الإسلام ومستقبله . لأنه يعد أسلوب العصف الذهني إحدى أهم الطرق والسبل التي يتم عن طريقها حث المتلقين وتحفيزهم على تطبيق نتاجات الدرس بكفاءة، فالعصف الذهني يضع المتلقى في موقف إيجابي ونشط لمواجهة التحديات، مما يخلق روح الإبداع في ابتكار الحلول والأفكار. وقد ثبت نجاح أسلوب العصف الذهني في العديد من المواضيع التي يلزمها حلول مبتكرة، حتى صار هذا الأسلوب موضع اهتمام المفكرين في الوقت الحاضر، فالإبداع موجود عند كل شخص لكنه بحاجة للتنشيط والتدريب، وفى مؤلفات الغزالي هذا النوع سائغ منتشر، فلينتبه إليه .

اظهر المزيد
إغلاق