الكوميديا الإلهية: أثر الإسراء والمعراج في الأدب الإيطالي

موسوعة الكوميديا الإلهية لصاحبها الإيطالي ( دانتى أليجييرى ت 1321م )  موسوعة ثلاثية الأجزاء (الجحيم – المطهر- الفردوس )، كتبت بمدينتي فلورنسا ورافنَّــا الإيطاليتين، وقد جمعت بين اللاهوت والأدب، حيث جعل دانتي فيها الإنسان والدنيا والآخرة والله في مشكاة واحدة، ووضع في إطارها العام كل المعارف والجزئيات الدقيقة، المادية والمعنوية، وألغى فيها فوارق الزمان والمكان، ومزج بين الأسطورة والتاريخ، وبين الواقع والخيال.

موسوعة الكوميديا الإلهية

واختار مصطلح (الكوميديا الإلهية) عنوانا لموسوعته، لأن الخط البياني للحياة من وجهة نظره يبدأ في غابة موحشة مظلمة وينتهي إلى السعادة الإلهية!

آية كبري عند الإيطاليين

ونظرا لأن موسوعته هذه تعد آية كبري عند الإيطاليين، وقمة الازدهار في الاتجاهين الديني والأدبي في القالب الفلسفي، فقد كُونت مدرسة عُرفت بعدُ بمدرسة ( الدانتيين) شُكلت من أعراق مختلفة.

ثم ما لبث الدانتيون – الإيطاليون على أخص – أن اكتشفوا أن الأصول الإسلامية كانت الأساس الذي بني عليه دانتى الكوميديا الإلهية، لا سيما فيما يتعلق بحوادث ومشاهد وروايات الإسراء والمعراج، والتي انتقلت إلى أوربا – ضمن ما نقل من تراث إسلامي- عن طريق الأندلس، ووجود العرب في صقلية وجنوب إيطاليا، وعرف العالم الأوربي أراء المسلمين في عالم ما بعد الحياة منذ القرن التاسع الميلادي.

حتى قال القس الكاثوليكي الأسباني (ميجيل آسين) : إن أسبانيا يحق لها أن تطالب لمفكريها المسلمين بنصيب ليس صغيرا في الشهرة العالمية التي يتمتع بها عمل دانتى أليجييرى.

لأن هذا القس العالم قد وازن بين كوميديا دانتى، ومؤلفات بعض متصوفي الإسلام كابن عربي، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري وصور الإسراء والمعراج النبويين، وتكلم عن أوجه الشبه بينها وبين عوالم( الجحيم والمطهر والفردوس) عند دانتى.

كتاب المعراج ومسألة المصادر العربية الإسبانية

وفي عام 1949م  أصدر المستشرق الإيطالي( أنريكو تشيرولى) مؤلفا بعنوان: كتاب المعراج ومسألة المصادر العربية الإسبانية للكوميديا الإلهية)، حيث أثبت أن ملك قشتالة (ألفونسو العاشر) أمر إبراهيم الحكيم الطبيب اليهودي بترجمة صور المعراج الإسلامي من العربية إلى القشتالية، وكان ذلك في عام 1264م، ما يعنى تسرب معلومات الإسراء والمعراج في صناعة الكوميديا الإلهية.

أوجه التشابه بين الإسراء والكوميديا الإلهية

فمثلا  من أوجه التشابه بين الإسراء والكوميديا الإلهية : أن بطل قصة الإسراء وبطل قصة الكوميديا في كلتا الروايتين هو الذي يروي مشاهداته، ثم إن كلا منهما قام برحلته ليلا يقوده دليل لا يعرفه من جنسه، وتشمل القصتان في المرحلة الأولى من كل منهما صعود جبل وعر، ويزور كل من البطلين المطهر والجحيم والفردوس، وإن اختلف التتابع وتباينت التفاصيل، وتمثل مناظر التعذيب الخمسة الأولى التي شاهدها محمد المطهر عند دانتى، وهو الصراط في الإسلام.

وكذا الحديث عن أصوات المعذبين في النار وأنينهم فيها في كلتا الروايتين، وكذا الحديث عن عقاب الزناة والمرابين الذين تتقاذفهم النار في التنور في قصة الإسراء، يذكروننا تماما بالزناة في قصيدة دانتي الذين تتقاذفهم رياح النار العاصفة أبد الآبدين، كما نقع على مشابهات أخرى مثل عقوبة اللوطية الذين تحرق النار أجوافهم في القصة الإسلامية، والذين تمطرهم السماء نارا في الكوميديا الإلهية، أو النهرين اللذين يفصلان في كلتا القصتين الإسلامية والدانتية(الكوميديا) بين المطهر والفردوس ، والذين شرب كل من محمد ودانتى من مياههما السلسبيل… إلى غير ذلك من أوجه الشبه !

الكوميديا الإلهية فى أحداث المعراج

وفي أحداث المعراج ، تتشابه الروايات تمام ( المعراج والكوميديا) ، مثال ذلك أن محمدا تطهر أولا، تماما كما فعل دانتى، ثم صعد في الهواء وجبريل آخذ بيده كما صعد دانتي تقوده بياتريشي، وكذلك نقع في كل من القصتين على عدد السماوات التي ذكرتها القصة الإسلامية والدانتية، وأن السماوات السبع التي اجتازها محمد تتطابق تماما مع السماوات التي ذكرها دانتى، وأن السماوات الثلاثة الزائدة التي ذكرها دانتى تتطابق تماما في قصة المعراج (سدرة المنتهى – البيت المعمور – العرش) ، وبذلك نري أنه قد اكتمل في كل من القصتين عشر مراحل، كما تشترك الروايات في الحديث عن النار والصراط (المطهر عند دانتى)، ومقابلة كلاهما لخازن النار(الجحيم عند دانتى الذي وصفه : شيطان له عينان كأنهما جمر أحمر ، ينبعث من للهب من نار ).

وعن الجنة التي هي آخر أجزاء قصيدة دانتى (الفردوس) ووصف كلهما الدقيق لها،وطواف الملائكة، وذكر الملك الذي نصفه من ثلج ونصفه من نار في الروايتين، وكذا الملامح الوصفية لجنة إبراهيم في قصة المعراج والكوميديا أمر يلفت النظر، وتنتهي كلتا الروايتين برؤية بطل الرواية للعرش ومراحل التجلي، حيث وصف كل منهما دوائر النور الإلهي، والتنبيه على جمال الرب، وأن ذاته أشرقت بهذا الجمال الأقدس.

خندق المحلية والدولية والإقليمية

وعليه: فإن حادثة الإسراء والمعراج قد تخطت تماما خندق المحلية والدولية والإقليمية، لتصل إلى فضاء العالمية من حيث الشهرة والتأثير، تماما كما للقرآن ، إلا أنها تقع في المرتبة الثانية من حيث الأهمية والشهرة بعد القرآن، لأن القرآن يعلو ولا يعلي عليه !

الكوميديا الإلهية:

أثر الإسراء والمعراج في الأدب الإيطالي

بقلم : د. محمد نصار

ثلاث خواطر حول الإسراء والمعراج! بقلم د. محمد نصار

الإسراء والمعراج رحلة الوفادة على الله!.. بقلم د. محمد نصار

اظهر المزيد
إغلاق