تطور الفتوى : المرأة رئيسا عند الغزالي أنموذجا

الدكتور محمد نصار يكتب : مقال ليلة الجمعة

تطور الفتوى : المرأة رئيسا عند الغزالي أنموذجا

طبيعي أن يبدأ طالب العلم صغيرا، تتجاذبه نزعات التقليد في كثير من المسائل والقضايا، لكنه يكبر وينضج بمرور الأيام والأعوام، شريطة أن يلتحم التحاما مباشرا بكتابه ودرسه، ثم لا ينقطع عنهما ، فالعلم يورث علما ، وكثرة القراءة والإطلاع تزيده فهما، بالإضافة إلى وجوب الانفتاح الذي ينبغي أن يكون مبدأ أصيلا يجعله يدرك الواقع وما يدور فيه، والاتجاهات وما تفرزها من أفكار.

 يسعى إلى تحقيق مقاصد الشرع، ومصالح الخلق، ومراعاة طبيعة العصر، ثم لا هو يخرج عن نص مقطوع به، ولا نص مجمع على صحة ثبوته، وصراحة دلالته، أو إجماع متيقن.  لا سيما إذا كانت الفتوى تمر بأربع مراحل، هي :

مراحل تطور الفتوى : المرأة رئيسا

مرحلة التصور (التصور الابتكاري) ، ثم مرحلة التكييف الشرعي، ثم مرحلة استخراج الحكم الشرعي ، ثم أخيرا مرحلة الفتوى. كما أنها تتغير بتغير الجهات الأربع :

تغير الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال ، كما هو مقرر عند علماء الشريعة.

وهذا يجعل العالم – في بعض الأحايين – يغير فتواه، ويرجع عن رأي قاله من قبل، لأنه رأي فيه خطأ، أو أدرك ما غفل عنه ، وهذا ليس نفاقا، وإنما ما شك أنه من الأمانة العلمية والشجاعة الأدبية أن يعود الإنسان إلى الحق، ويعترف بالخطأ.

والشيخ الغزالي رجل من هؤلاء الرجال الكبار ، أصحاب الجرأة في الحق، يدور معه حيث دار، لا يهمه أن يكون زنبا فيه ، ذلك عنده أفضل ألف مرة من أن يكون رأسا في باطل،  معروف بالغيرة على الدين، ودفع الشبهات التي ألصقها به أعداؤه الماكرون، وأبناؤه الجاهلون.

والحال في التطبيق والعملي أنه لما أثيرت قضية عمل المرأة وموقف الإسلام منها، وضح لنا أن للشيخ ثلاثة أراء، كان كل رأي منها يمثل مرحلة جديدة من مراحل الإدراك والوعي:

ففي فترة حياته الأولى – ارتأى الشيخ – مع جمهور أهل العلم- منع المرأة من وظيفة القضاء، وكذا منعها من الوزارة، حيث قال فى كتابه “من هنا نعلم” : وتكليف الإسلام أن يُعَينُهن قاضيات أو وزيرات ظلم للطبيعة وقتئا على المصلحة”.

سر تأخر العرب والمسلمين

وفى موضع آخر من نفس الكتاب: ” القضاء منصب له جلاله، وللقاضي على الناس ولاية عامة وسلطان واسع، فإذا كان الإسلام يجعل الرجل قواما على المرأة فى البيت وهو المجتمع الصغير، فكيف يجعل المرأة قوامة على الرجل فى المجتمع الكبير؟ ! هذا رأيه القديم .

ثم تغير بعد عقود من إصدار كتابه الأول من هنا نعلم، فأصدر كتابه “سر تأخر العرب والمسلمين” وقال فيه:

“وللمرأة ذات الكفاية العلمية والإدارية والسياسية أن تلي أي منصب ما عدا الخلافة العظمى”.

 وعليه فبعد أن كان الشيخ – رحمه الله- يمنعها من القضاء والوزارة وغيرها صار لا يمنعها إلا من الخلافة فقط”.

لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة

وفى نهاية المطاف اجتهد الشيخ اجتهادا جديدا في كتابه ” السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث” ، حيث ذهب إلى أن حديث “لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة” – والذي احتج به كل من أنكر ولايتها العامة- لا يفيد النهي العام عن تولى امرأة رئاسة الدولة، بل هو من وجهة نظره واقعة حال تخص (بوران بنت كسري) وأنه لا يتضمن حكما شرعيا ، ليفتح بذلك مجالا واسعا للقول بظنية الاستدلال فى هذا الحديث ، ومن ثم جواز الاختلاف فى أثره  المترتب عليه جوازا أو منعا .

ثم يستدل الغزالي على صحة قوله بنجاح ملكة سبأ في قيادة قومها إلى الإيمان والفلاح بحكمتها وذكائها، وبأن حمل الحديث على عمومه يتنافي مع القرآن ويناقضه وهو مستحيل! ويتساءل الشيخ قائلا: هل خاب قوم ولو أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس؟

ويجيب : إن هذه المرأة أشرف من الرجل الذي دعته ثمود لقتل الناقة ومراغمة نبيهم صالح (فنادوا صاحبهم فتعاطي فعقر) .

 ومن هنا يري الشيخ أن تعميم دلالة الحديث يجعله يتناقض مع القرآن ومع الواقع التاريخي، ويستشهد بشواهد تاريخية كنجاح الملكة “فيكتوريا” و” مارجريت تاتشر” فى قيادة إنجلترا، والوصول بها إلى أوج عصرها الذهبي وقمة الازدهار الاقتصادي والاستقرار السياسي.

كما ذكر الضربات القاصمة التي أصابت المسلمين فى القارة الهندية على يدي” أنديرا غاندي” على حين عاد المرشال “يحي خان” يجرر أذيال الخيبة!

أما مصائب العرب التي لحقت بهم فكانت على يدي امرأة ، هي “جولدا مائير” ، وأننا قد نحتاج إلى جيل آخر لمحوها .

الواقع العملي يشهد لصالح المرأة

فالقضية فى نظر الشيخ ليست قضية أنوثة وذكورة ، فالدلالة الأقوى فى نظره تكون من طريق الواقع العملي، والواقع العملي يشهد لصالح المرأة، إنها قصة أخلاق ومواهب نفسية عالية. ما يجعله يقرر فى نهاية المطاف :

“لسنا من عشاق جعل النساء رئيسات للدول، أو رئيسات للحكومات، إننا نعشق شيئا واحد، أن يرأس الدولة أو الحكومة أكفأ إنسان في الأمة … وما دخل الذكورة والأنوثة هنا؟ امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور!”.

ومن هنا : فإن هذا النموذج المتمثل فى غزالينا المعاصر يقف بنا عند أعتاب الإصلاح الفكري وتطور المهارة الأصولية فى الفتوى والتبشير بالدعوى. وأن الفقه ينبغي أن يكون فى خدمة مصالح الناس، طالما أن الاختلاف فى مثل هذه الأمور سائغ .

وأن نجتهد لزماننا وبيئتنا كما اجتهد الأولون لأزمانهم وبيئاتهم، فالنصوص معصومة، ولكن أفهام الشراح وأقوالهم في تفسيرها غير معصومة!.


أقرأ أيضا :

مراحل قضية التجديد وموقف وزارة الأوقاف منها وبدايتها

د. محمد نصار يكتب خواطر عن : ( الحُلم الجميل )

التيسير فى الزواج أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية ولا للتبذير

اترك رد

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: