د. محمد نصار يكتب : حكمة الصمت ! ليلة الجمعة

حكمة الصمت ! 

بقلم د. محمد نصار

قديما قالوا : إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب ، وهى مقولة لها وجاهتها، لأن لغة الصمت في بعض الأحايين أبلغ وأوقع من أي كلام يقال ، فيكون الصمت حكمة ووقارا، ومسلكا وهدفا وغاية,

وهو من علامات تمام العقل كما قيل : إذا تم العقل نقص الكلام .

و طريقا للنجاة كما فى الحديث : من صمت نجا .

وفى الحديث الشريف: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وعن لقمان الحكيم قال: “إن من الحكمة الصمت وقليل فاعله”.

فإذا كان الكلام فى وقته حظوة جليلة فإن الصمت فى وقته أيضا مرتبة عالية.

ولرب صمت قد غلب أجناس الكلام واختلاف الأفعال.

ولقد أدركنا فى أدبياتنا المعيشية قولة المخطئ الذي اعترف بخطئه لمن تجرأ عليه :

تكلم ولا تصمت فإن كلامك وإن كان سُبابا يريحني، وصمتك وإن كان عفوا يقتلني.

إن الخبرة الحياتية لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه إذا كثر الكلام واللغط فألزم نفسك الصمت، لأن الكلام له أهدافه فإذ لم يؤدى إلى هدف منها فلا فائدة فيه، فاللسان – كما يقول أحد الحكماء- فيه عشر خصال يجب على العاقل أن يعرفها، ويضع كل خصلة منها فى موضعها:

هو أداة يظهر بها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وناطق يُرد به الجواب، وحاكم يفصل به الخطاب، وشافع تدرك به الحاجات، وواصف تعرف به الأشياء، وحاصة يذهب الضغينة ، ونازع يجذب المودة، ومُسل يذكى القلوب، ومُعز ترد به الأحزان,

والعاقل لا يبتدئ بالكلام إلا أن يُسأل، ولا يقول إلا لمن يُقبل، ولا يجيب إذا شُوتم، لأن أطول الناس شقاء، وأعظمهم بلاء، من ابتلى بلسان مطلق ، لا يعرف له ملجم!

والصمت هو البداية في طريق العلم، والخطوة الأولى من خطوات تحصيله ، يقول سفيان الثوري:

أول العبادة الصمت، ثم طلب العلم، ثم العمل به، ثم حفظه، ثم نشره.

وكما أن الصمت هو بداية العلم، فهو أيضا أمان من تحريف اللفظ، وعصمة من زيغ المنطق، وسلامة من فضول القول.

والصمت طريق العمل ، لإن الإنجاز لن يولد في الضجيج بل تتشكل ملامحه وسط غابات من الصمت ومن السكون، والانطوائية ليست عيباً، بل دليل نبوغ في أحيانٍ كثيرة.

فالفئة النادرة هى التي تعمل أكثر مما تتكلم.

والخروج عن الصمت إلى كثرة الكلام، واللغو مؤد لا محالة إلى إماتة القلب، ولذلك يقول سيدنا عمر بن الخطاب للأحنف بن قيس:

يا أحنف من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه.

إن من أراد أن يعيش خير ما فى هذه الحياة فلا يتكلم إلا إذا كان مدركا وواعيا لما يتكلم به، لأن من مأثور القول قول الفيلسوف سقراط:

“تكلم حتى أراك”، وإلا فالإنصات حتى يتعلم كيف يتكلم.

ولذلك يقول أبو الدرداء: لا خير فى الحياة إلا لرجلين: منصت واع، أو متكلم عالم .

ذلك لأن الله رفع جارحة اللسان على سائر الجوارح، فليس منها شيء أعظم أجرا منه إذا أطاع، ولا أعظم ذنبا منه إذا جنى!

حكمة الصمت !

بقلم د. محمد نصار

أقرأ أيضا :

اظهر المزيد
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: