د. محمد نصار يكتب : طريق الإصلاح والسقطات الهلالية – ليلة الجمعة

د. محمد نصار يكتب : طريق الإصلاح والسقطات الهلالية – ليلة الجمعة.
طريق الإصلاح دائما مشوب بالجرأة وتبعات المخاطر، فالمصلحون يعيشون غرباء في أوطانهم وبين مجتمعاتهم، غرباء بأفكارهم وأطروحاتهم، حياتهم مليئة بالثورات والانتفاضات، إذا هدأت هينات سريعا ما تشتعل من جديد لأيام وسنوات، وكلما زاد من حدة الاشتعال وصنوف الجدال، كلما تماهى هذا المصلح في خضم من الدلالات النفسية التي تجذبه إيجابا أو سلبا.
المصلحون يدركون يقينا أنهم على سفر دائم، لا تستريح أجسادهم، كما لا تهدأ فرائسهم، فهم من الحياة فى عناء وجلد ، كأنها الضريبة التي تقدم لإسعاد غيرهم ونهضت حياتهم،

تصالحوا فيما بينهم فَهْمَا أن الناس الذين ينازلونهم اليوم لا يعرفون فضلهم إلا فى الغد.

ويبدوا أن الهلالي المسكين قد أغرته هذه الفكرة، وقرر منذ سنوات ليست ببعيدة أن يقدم نفسا مصلحا ورائدا كبيرا، معنيا بقضية الإصلاح والتجديد موليا وجهه شطر الشريعة والفقه.
لقد ذاعت شهرته يوم أن قدموه على شاشات التلفاز كظاهرة فقهية حافظة للآراء الفقهية المتعددة، يستدعى منها ما يريد أمام الجماهير المشاهدة ، من غير أن يكون بين يده كتاب أو مصدر يقتبس منه، أو يعود إليه،

ولأن من بين المتخصصين من يتساوى معه فى قوة الحفظ وجودة القريحة، قرر أن ينفرد بعرض شواذ الآراء وغرائبها، ليس على سبيل الحكاية والبيان، بل للتعبد بها على اعتبار أنها من جملة المختلف فيه الذي لا ينكر، ولأن عوام الناس كعادتهم دائما تستهويهم معرفة الغرائب، انتبهوا إلى غرائبه وأضحت تلوكها الألسن فى كل مكان، على اعتبار أنه عالم الفتوى الأوحد فى العصر الحديث.

فى هذه الآونة انتخبت هيئة كبار العلماء بالأزهر الدكتور شوقي علام لشغل منصب مفتي الديار المصرية خلفا للدكتور علي جمعة ، وهو المنصب الذى كان الهلالي نفسه تتوق إليه، فحاول الظفر به.

لكن الأزهر أدرك خطر مغبة الخلفيات السياسية والأيدلوجية ( الإخوان والعلمانية) التي تؤثر على منهج الأزهر الوسطى ومكانته العالمية، ومن ثم كان استبعاد الثنائي :

الدكتور الهلالي والدكتور عبد الرحمن البر، واحتفظت الدار باستقلاليتها المنهجية مع مفتيها الجديد.

لكن يبدوا أن هذا الموقف لم يمحى من ذاكرة الهلالي الذى كان يرى نفسه الأحق والأجدر لهذا المنصب، فانصب ساخطا ليؤلف كتابه “الإسلام وإنسانية الدولة” ليفتح بابا للتشكيك فى طبيعة المرجعية الأزهرية، هل هي دينية أم علمية؟

تابعه بهجوم قاس على الأمة عامتها وخاصتها، وطعن في أمانة علماء الأمة وديانتهم، وأنهم شركاء فى تضليل هذه الأمة، وأنهم استعبدوا الناس باسم الدين وجعلوا أنفسهم وسطاء بين العبد وربه كأمثال صانعي الأصنام قديما! إضافة لبعض المخالفات التي تتعلق بالعقيدة، ونزعته العلمانية المحضة لعلاقة الدين بالدولة ونفى المرجعية الإسلامية، وقطع الصلة بين الفقه والشريعة، والسعي إلى أنسنة الدين …إلخ .

ثم قام بوضع منهجيته فى الفتوى تقوم على مبدأ “العرض الشامل من الفقيه وحرية الاختيار للمستفتي” لتشكيك الأمة فى فقهائها، وإنشاء منهج موازى لدار الإفتاء والأزهر، يجد المتلاعبون والمفتونون فيه بغيتهم، وهى منهجية غريبة تحمل فى داخلها نواة الإقصاء، وتقويض محاولات الاجتهاد، الذي هو سر البقاء للشريعة الإسلامية الغراء، وإن ادعى صاحبها أنها منهجية تنسم الحرية الفقهية وتقرير مبدأ الاختيار، والتخلص من سلطة الفقهاء الأصنام على حد زعمه!.

ولخطورة الآراء المنشورة بهذا الكتاب، فلقد تم عرضه على مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف وقرر المجمع تكوين لجنة علمية لفحص الكتاب وبيان الموقف الشرعي مما جاء فيه. وبدأت مجلة الأزهر مع عدد شهر رجب 1434هـــ تنشر هذه التقارير ، حيث اعتبره الدكتور على جمعه يمثل عدوانا على الشريعة الإسلامية … وكذا غيره من العلماء .

فراسل الهلالي هيئة تحرير المجلة طالبا حق الرد، فسمحت له فى عدد شوال 1434هــــــ ، فما فتئ يتهم المجلة بتنصيب نفسها خصما في النزاع الفقهي، وأنها تكيل بمكيالين، مع التشهير بعلماء الأزهر الشريف وشيخه الطيب!

ومنذ ذلك الوقت والهلالي كثيرا ما يوقع نفسه في فخ التبديد بثوب التجديد، تغازله بعض الاتجاهات والتوجهات والأيدلوجيات أو يغازلها، لا مشاحة في ذلك، المهم أن تمتلكه قناعة التجديد، وأنه الإصلاحي الثائر الذي يسير على خطى كبار المصلحين المهمومين بواقع أمتهم الأليم … بيد أن الإصلاح دائما يقوم – بين المصلحين- على أنظار في فلسفة النص المُحْكَم للوقوف على حِكَم التشريع، وتأويل المتشابه ما وجد لذلك سبيلا، لا أن يقوم الإصلاح على رفض إتباع ما أنزل الله من فرائض وواجبات، ورفض تسيير الحياة بمقتضى منهج الله !

د. محمد نصار

أقرأ أيضا :

هل ميلاد الرسول فى القرن 6 م مصادفة زمنية؟ بقلم د. محمد نصار

وقد يعجبك أيضا:

الزراعة المائية رؤية مستقبلية.. ملف كامل للاستفادة المزدوجة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق