د. محمد نصار يكتب : فاضلة الزمان ! ليلة الجمعة

فاضلة الزمان ! مقال جديد ليلة الجمعة.

بقلم : د. محمد نصار

فى دار الكتب المصرية عراقة التاريخ، في قسم المخطوطات وقد استهوتني فكرة التنقيب في أثار الأقدمين، تقع عيناي على مجموعة مخطوطات لامرأة واحدة، رأيت فيها تعدد المواهب والاتجاهات، رأيت فيها اكتشافا علميا لم يسبق إليه، أبصرتها: أديبة …. شاعرة … فقيهة … متصوفة … محدثة… واعظة.

هي أول امرأة ألفت كتبا وصلت إلينا، هي أول من كتب فى التصوف من النساء، وأول من كتب فى المولد النبوي بين النساء، ومن أوائل من كتب البديعيات فى اللغة العربية، فاستحقت بذلك لقب رائدة الكتابة فى التصوف الإسلامي، والمولد النبوي، وشاعرة البديع الأولى فى الإسلام. وصفها العارف بالله عبد الغنى النابلسي بــ “فاضلة الزمان وحليفة الأدب فى كل مكان”.

وتقول عنها زينب بنت العاملي ” كان على وجهها من الجمال لمحة جملها الأدب، وحلتها بلاغة العرب، فجعلتها بغية ومنية الراغبين، والذى أجمع عليه العارفون على أنها بين المولدين تزيد عن الخنساء بين الجاهلين، وأن من رأى سحر بلاغتها فكأنما رأى هاروت وماروت ” .

وقال عنها عالمنا أحمد حسن الزيات: ” ربما لم يقم فى تاريخ الإسلام بعد كبار الصحابيات والتابعيات من يشبهها فى العلم والإجادة والتأليف “، وكانت تنادى بــــ “ستنا العالمة “. هى عائشة بنت يوسف الباعونية الصالحية الدمشقية، المتوفاة سنة 922هـــــ ، والتي تمثل نموذجا مضيئا في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية ، فلقد كانت واحدة من أشهر نساء القرنين التاسع والعاشر الهجريين اللذين عاشت فيهما، وعرفت بكونها سباقة بين علماء جيلها في حقول المعرفة المختلفة، كالفقه والسيرة النبوية وعلوم العربية والتصوف،

واستحقت بذلك وبمناسبة مرور خمسمائة عام على ولادتها التكريم من منظمة اليونسكو العالمية عام 2007م لإحياء ذكرى من أسهموا في خدمة الثقافة والمعرفة وكانت لهم سهمة ثقافية وعلمية فى التاريخ الإنساني.

حيث قامت اليونسكو بتكريم أربعة وستين اسما أحدثوا فارقا حضاريا في مجتمعاتهم عبر العالم، وتضع اليونسكو اسم عائشة الباعونية إلى جوار ” بريخت” الألماني، و “موزارت “و ” فرويد “من النمسا، و”سيزان ” من فرنسا، وتبقى عائشة الباعونية الاسم الأنثوي والنموذج العربي الوحيد في القائمة العالمية التي تضم اسميين عربيين هما: ” الفراهيدي ” و” ابن خلدون “. فلقد وجدت الباعونية نافذتها إلي الغذاء الروحي والتذوق الوجداني من خلال السير في طريق التصوف حبا وولعا واحتراقا.

التصوف الذي سماه البعض “علم القلوب ” , وسماه آخرون” علم الإحسان” ، وأطلق عليه متخصصو النفس والأخلاق “علم البواعث على الأعمال “. وتعد المهمة المنوطة بالتصوف الإسلامي والثمرة المرجوة من ورائه هي تنوير القلب , وترقيق الحس , والوصول بالمسلم إلي امتثال الفضائل والشمائل, وإذا كان طريق التصوف هو أحد الطرق التي توصل إلي السعادة , فإن لهذا الطريق أصولا يجب على المسلم أن يبدأ من خلالها ليصل إلي غيره .

ولهذا ألفت للتصوف جملة من الكتب تبلغ (22) كتابا، ومن أهمها: المنتخب فى أصول الرتب فى علم التصوف بتحقيقنا، وديوان فيض الفضل وجمع الشمل، وبديعية الفتح المبين فى مدح الأمين.

وكان أكثر شعرها الصوفي بديعيات تتكئ فيها على منهج ابن الفارض، من حيث المعنى في التعبير بالغزل والخمر عن المواجد الروحية وأحوال الكشف والإلهام، ومعاني الحب الإلهي والحضرة الإلهية، فلئن كان ابن الفارض من الرجال: سلطان العاشقين، فإن الباعونية هي ” سلطانة العاشقين ” بين النساء، لما لها في تراثها الصوفي من مواجد روحية، ومناجاة إلهية، ومعاني لدنية، وأحوال وهبية، ومعاناة ذوقية، وشئون شوقيه، ومذاهب عشقية.

ولكن ما يسترعى الانتباه هنا، أنه قد ثبت من خلال المصادر التى أرخت لحياتها أن الأزهر الشريف بمصر كان مقصدها فى التكوين العلمي، وأنها قد أجيزت من شيوخه بالإفتاء والتدريس، وتتلمذت على يد العلامة القسطلانى شارح البخاري، وانتسبت إلى الطريق القادرية.

 ما يعد تأكيدا على أن الأزهر الشريف بمصر كان يقوم بدور علمي وثقافي هام في هذه الفترة من عمر الزمان وأنه كان مقصدها لبناء شخصيتها العلمية، فإذا تسابقت البلاد وتحاججت – وقد كان – فى الاستئثار والافتخار بها، فقالت الأردن: منى – من باعون – كان نسبها، وقالت دمشق : على أرضى كانت حياتها ومماتها ، حاجتهم مصر قائلة : ولولاي لما كان علمها ولا ذكرها ، حفظ الله مصر والأزهر وعلمائه من كل مكروه وسوء .

فاضلة الزمان !

بقلم : د. محمد نصار

أقرأ أيضا :د. محمد نصار يكتب : طريق الإصلاح والسقطات الهلالية – ليلة الجمعة

هل ميلاد الرسول فى القرن 6 م مصادفة زمنية؟ بقلم د. محمد نصار

العَالِم الحقيقى والعَالِم المزيف .. مقال جديد للدكتور محمد نصار

قد يعجبك متابعتنا على :

أو منتدى القليوبية أون لاين على جوجل بلس

” أخبار متنوعة plus.google.com

لمتابعينا على الفيس بوك

وللتوصية بالصفحة الصفحة الرسمية للموقع

عزيزى القارئ شارك المعرفة يجعل الله لنا ولكم الثواب

 

اظهر المزيد
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: