مستقبل العقائد والأديان .. من تشريح العقل إلى ترشيد الفكر

( مستقبل العقائد والأديان .. من تشريح العقل إلى ترشيد الفكر )
مقال جديد ليلة الجمعة بقلم:

د. محمد نصار


إذا كان علم الجدل والتناظر هو العلم الأساس الذى عول عليه الأقدمون والمحدثون فى إثبات العقائد الحق وتفنيد باطلها، ورسم خارطة مستقبلها. إلا أنه ما فتىء تحول فى بعض الأحايين إلى حالة من الثرثة والإفلاس، وبث روح الكراهية والأحقاد.

فلقد كان الإمام الغزالى أحد الذين شهدوا هذا النمط ، وخاضه حينا من الدهر ، لكنه ما لبس أن انسحب منه مدركا مخاطر التورط فى معاركه الوهمية ، مقدما على الرياضة الروحية بعد أن آنار الله قلبه وبصيرته ، ليزيل الركام الذى ران على علوم الشرع فألف موسوعته (إحياء علوم الدين)، لتحقيق نهضة علمية شاملة تتكلم عن نفسها,

مستقبل العقائد والأديان

ذلك لأن لغة الخطاب العقدى هى التى يتوقف عليها صياغة سبل المعرفة وتكوين الرؤى، إن فى المعتقدات أو التصورات والمعلومات الموثقة، وهى أيضا تجسد الوعى بالذات فى علاقته بالآخرين,

فتشريح العقل ضرورة ملزمة لفهم خلفية الخطاب العقدى وتفكيك إشكالياته ، فتقويمه ثم تحديد مستقبله.

فعندما تستهوى النظرة الأحادية، والإحساس بالاغتراب الثقافى والحضارى.

وكذا الإحساس الدائم بالخطر وسيطرة فكرة المؤامرة، تتزايد مشاعر اليأس والخوف والإحباط ، ما يؤثر سلبا على الخطاب العقدى ومسار العقائد.

فيظهر متشنجا متحجرا منفعلا وربما أكثر دموية، ليكون قرة عين لدعاة العنف وأدواته . عندها يمارس صاحبه عدة أشكال متباينة :

فإما أن يمارس دورا قمعيا فى محاولة فرض ما يعتقده على الجميع بإرهاب العقل، وتقليص حركات الفكر، وهو الوقوع فى إسار الإرهاب وحصاره والخبط العشوائى واستمطار اللعنات .

أو أن يمارس مبدأ الانتقاء فى قراءته للنصوص المقدسة ، فيتوسع فى بعض النصوص التى تحض على العنف، ويمر سريعا على الأخرى التى تقيم أسس السلام والتعايش .

ومنهم من يختار تقديس الماضى بكل صوره وأشكاله تقديسا ليس له حدود ،ولأنه يرى فيه الخلاص يجعل منه مرجعية فى شتى المناحى، حتى فى مظاهرهم وأسمائهم التى طوعوها لتتناسق مع الماضى موسومة بالكنية أو اللقب ( أبى فلان … ابن فلان ابن فلان … وهكذا )؟

ومنهم من تستهويه فكرة الخلاص المقدس (الاستشهاد) هروبا من عناء الحياة إلى جنة الرضوان حيث العسل المصفى واللبن السائغ شرابه والخمر لذة للشاربين ولو على حساب آخرين !!

فالأمر عندهم أنه كلما ضاقت الأرض اتسعت السماء ، وكلما فشلت الحلول الإنسانية الأرضية للأزمات اليومية والمعيشية، فتش عن الحلول القدرية الغيبية,

على أية حال هو : انحراف بالدين عن رسالته الروحية السامية ، وتعاليمه الأخلاقيه الراقية، وبداية لرسم صورة ممسوخة مشوهة.

تدعوا إلى اختزال الحقائق المتنوعة والمتعددة للأشياء، إلى حقيقة واحدة، وإلى نمط واحد من أنماط التفكير.

إن خطوات الانحراف : تبدأ من الاعتقاد الذى يشمل ما يؤمن به من أفكار وتصورات ، ثم التشنج والانفعال الذى يضمره تجاه الآخر ، وتنتهى بأثر ذلك على سلوكه وأفعاله مع الأغيار.

إننى أدعى أنه لا يخلو دين من الأديان من هذا الخطاب المزدوج : الذى إما داعيا إلى السلام، أو إلى العنف والجهاد.

وهذا وفق قواعد وتصور كل دين أصلا واستثناء، دفاعا أو اعتداء.

ويأتى دور معتنقيه فى تسويق إحداهما على الأخرى ، سعيا إلى صياغة العنوان ، وتحديد الهدف، وبلوغ الغاية .

إن عالم اليوم اهتزت فيه كثير من القيم والمعايير الإنسانية.

واختلطت فيه الأوراق ، فمن مشاكل وأزمات سياسية واقتصادية طاحنة، إلى معاناة من المادية والإلحادية الفاشية.

ذلك أن الإنسان والعالم داخل صندوق مفعم بالمخاطر والمنغصات.

وهنا يأتى دور الأديان السماوية محددة خطواتها ومجهوداتها لمواجهة هذا الخطر المحدق بالجميع.

وعلى قدر ما يقدم كل دين من الأديان من رؤى وحلول على قدر ما يكتب له القبول ويكتسب من التسويق الذاتى والانتشار الجمعى .

إن مستقبل العقائد والأديان يتحدد من خلال تشريح الخطاب العقلى ومعرفة خلفياته.

وكذا تحليلها داخل إطار معرفى وتربوى ، والعمل على تقويمها.

وذلك من أجل تحديد الهوية، والسير إلى تحقيقها على نحو يجمع بين الثابت والمتغير.

فعلى سالكى طريق المستقبل أن يكونوا شركاء فى البحث والتناصح والمنهجية وتحديد الهدف.

وهو عمارة الفكر والحياة إلى جانب المشاركة والحركة فى عصر لا مكان فيه للقعود أو العزلة.

فمن الإندفاع والعنف إلى الحكمة، ومن الإلحاد والعلمانية إلى الإيمان والعلم، ومن التحلل الأخلاقى إلى التماسك الأخلاقى، ومن التقليد والجمود إلى الإبداع والتقدم ، ومن الزبد الطاغى إلى النفع الشامل “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض”,

مستقبل العقائد والأديان .. من تشريح العقل إلى ترشيد الفكر
بقلم
د. محمد نصار


أقرأ أيضا :

أو مقال:


وقد يعجبك أيضا : متابعة موقعنا على :

أو صفحة القليوبية أون لاين على جوجل بلس” أخبار متنوعة” plus.google.com

لمتابعينا على الفيس بوك وللتوصية بالصفحة facebook

القليوبية أون لاين
القليوبية أون لاين لكل أهل القليوبية

لمتابعينا على الانستجرام 


اظهر المزيد
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: