النقد الشعوري … والنقد العلمي ! فقد يتحول إلى نقمة وفتنة

النقد صناعة، لا يحسنها إلا من تعلم فنونها، فهو يختلف بمعاييره وأحكامه باختلاف الفن الذي يُمارس فيه النقد؛
فالنقد الذي يوجه للأدباء يختلف عن النقد الموجه للفقهاء، كما أن نقد الأصوليين يختلف عن نقد المحدثين، وهكذا في الأدب والسياسة والفلسفة… والمجالات الأخرى، فلكل منهم قواعده وأسلوبه وأحكامه.
ولعل الإشكالية التي تواجهنا اليوم في قضية”النقد”، غياب هذه القواعد والأسس المنوطة بكل فن، لا سيما في موضوع التراث والتجديد…
كغياب التخصص، والتأثر بالتوجه العام، والدفع الذاتي أو الجمعي، ومرارة التعصب وإثارة القلائل، وإصدار الأحكام المسبقة، والانتقاء في استعمال النصوص، وسيطرة فكرة المؤامرة، والإحساس بالاغتراب الثقافي.
كما أنّ هناك مفردات مقاربة للنقد، كالتقييم، والردود، والمناظرات، والمحاورات، والمناقشات، والجدل، والمباحثات، والخطأ أن توضع كل هذه المفاهيم في سلة واحدة، لأن لكل مصطلح ما يميزه عن غيره من حيث الأساليب، والأحكام، والغايات.

النقد الشعوري

فالنقد الشعوري الانفعالي لا يقام له وزن، وليس له أثر في الحاضر والمستقبل، لأنه سريعًا ما يذبل، ويموت، والنقد العلمي يغايره تمامًا.
ففي تراثنا الكلاسيكي هذا النوع ، والنوع المقابل، فهذا عالم الحديث ابن الصلاح ومعه الإمام النووي،
والسيوطي، قالوا – ومن باب العاطفة الدينية- بتحريم تَعَلُم المنطق، وأن”من تمنطق فقد تزندق”، لأن أرسطو
اليوناني واضعه، وهو مدخل للفلسفة ومدخل الشر شر ! ، دون أن يقدموا نقدًا علميًا موضوعيًا.

نقد ابن تيمية

ورغم هذا ظل المنطق معيارًا للعلوم، حتى جاء ابن تيمية ليقدم نقدًا عقليًا متميزًا في وضوحه ونتائجه.
مبينًا ما له وما عليه، مؤلفاً في ذلك كتابين”نقض المنطق”، و”الرد على المنطقيين”، فاتحًا بذلك مجالًا خصبًا لاكتشاف مناهج بحث جديدة اكتشفها المسلمون.
وقد وقع ابن الصلاح أيضًا فيما وقع فيه قبل في موقفه من التفسير الإشاري، عندما قال في فتاويه:
“صنف السُلمي كتابه حقائق التفسير، فإن كان اعتقد أن ذلك تفسيرًا فقد كفر!
حتى علق الإمام الذهبي معترضًا: واغوثاه! واغربتاه!”.
ذلك لأنه كان ينتمي إلى مدرسة الأثر التي ترفض المواجيد والإشارات الصوفية، لكن في المقابل نرى ابن القيم –
وهو من نفس مدرسة ابن الصلاح – يسلك طريقًا آخر تمامًا ، فألف كتابه مدراج السالكين، شارحًا فيه كتاب “منازل السائرين” للصوفي الكبير الإمام الهروي.
متبعًا الطرق والمناهج العلمية الرصينة من العرض والتحليل والتقويم، ليقرر في النهاية بأدب جم:
“مثلى ومثل الشيخ الهروي كمثل الهدهد مع سيدنا سليمان، حيث وقف الهدهد على باب سيده سليمان ذليلاً وهو يستدرك عليه بعض ما نسيه أو أخطأه قائلاً “
أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ”، ويبقى الهدهد هو الهدهد، وسيدنا سليمان هو النبي والملك العظيم”.
وينبغي أن يكون النقد من داخل مصادر المخالف، مع التحقق من فهم مراده، فلقد شوهت مدرسة المعتزلة قرونًا من الزمان…
وشنع عليهم ابن الرواندي بتأليفه “فضيحة المعتزلة”، لما ألف الجاحظ “فضيلة المعتزلة”.
شوهت لأن أرائهم كانت تستقى وتدرس من كتب خصومهم، حتى تم اكتشاف وتحقيق بعض كتبهم في عصرنا ،
وباكتشاف هذه المصادر ، صُحح المغلوط، وبانت الحقائق الغائبة من مصادرهم، وفي تقديري أنهم يمثلون
المدرسة العقلية الأولى في الإسلام، كان ما لها من انعكاسات فكرية وتربوية ليست بالشيء اليسير..
وأن الخلاف معهم في بعض المسائل لا يعنى غض الطرف عن هذا الإرث العقلاني.

النقد قد يتحول إلى نقمة وفتنة

وعليه: فكما أنه لا يمكن أن يكون هناك أب من غير مولود منه أو له، فكذلك لا يمكن أن يكون هناك ناقد دون أن
يمارس علم، أو أن يمارس علم من دون تخصص، أو يتخصص دون أن يكون معه أدوات تخصصه….لأن النقد قد
يتحول إلى نقمة وفتنة، أو إلى نعمة ومنة، وعلى الناقد أن يختار!

بقلم /

د. محمد نصار


تابع أيضا : الصداقة الحقيقية .. والصداقة المزيفة

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق